RISALAH NADI UKKAZ 05 – BA السنن الإلهية و مفاتيح الحضارة

السنن الإلهية ومفاتيح الحضارة

        إن موضوعَ السننِ الإلهية يرتبطُ ارتباطًا وثيقًا بمفاتيحِ الحضارة التي نبَّه إليه القرآن منذ اللحظة الأولى. فقد جاء الأمر بالقراءة في أول الوحي مرتين، وهذا يعني:

١- قراءة الكتاب المسطور، وهو القرآن الكريم الذي يلفت نظرنا باستمرار إلى تدبر في آيات الله في الكون وفي الإنسان
٢- قراءة الكتاب المفتوح، وهو الكون المنظور للتعرف على القوانين التي تحكم سيره وتضبط حركته، وهي قوانين لا تتبدل ولا تتخلف

(…فَلَن تَجِدَ لِسُنَّتِ ٱللَّهِ تَبۡدِیلاۖ وَلَن تَجِدَ لِسُنَّتِ ٱللَّهِ تَحۡوِیلًا) – [سورة فاطر: ٤٣]

       ومن هنا يمكن القول بأن السننَ الإلهية تعني القوانين الحاكمة لهذا الكون، فإننا – نحن البشر- نتحمل المسئولية عن هذا الكون والتعمق في دراسته وفهم أسراره حتى ندركَ آيات الله في الكون وفي الإنسان، ونتعرف على السنن التاريخية. فمن ذلك كله أن يجعلنا نفهم التاريخ   ونعتبر بِالدروسِ المستفادة منه، كما يمهد لنا السبيل لفهم أسباب قيام الحضارات وسقوطها، فليس هناك شيء في هذا الكون يسير بطريقة عشوائية أو بمحض الصدفة:

(لَا ٱلشَّمۡسُ یَنۢبَغِی لَهَاۤ أَن تُدۡرِكَ ٱلۡقَمَرَ وَلَا ٱلَّیۡلُ سَابِقُ ٱلنَّهَارِۚ وَكُلُّ فِی فَلَكࣲ یَسۡبَحُونَ) – [سورة يس : ٤٠]

       ولا جدال في أن السبيل إلى الكشف عن هذه السنن الإلهية، والتعرف على آيات الله في الكون وفي الإنسان هو العلم بجميع أبعاده. وإذا كان الله قد علّم آدم الأسماء كلها قبل أن يهبطه إلى الأرض، فإن معنى ذلك أنه أعطاه مفاتيح العلم التي هي في الوقت ذاته مفاتيح الحضارة، وعليه – وعلى ذريته من بعده – أن يطرقوا كل أبواب البحث ويسلكوا السُبل الموصِلة إلى الأهداف الحضرية التي كلف الله بها الإنسان في قوله تعالى:

(هُوَ أَنشَأَكُم مِّنَ ٱلۡأَرۡضِ وَٱسۡتَعۡمَرَكُمۡ فِیهَا…) – [سورة هود : ٦١]

       والواقع يؤكد لنا ذلك بما لا يدع مجالًا للشك، فالذي يتأمل عالمَنا المعاصِرالذي يشتمل على شعوب متقدمة وأخرى متخلفة سيكتشف    بسهولة هذه الحقيقة، فمن يفكر ويسعى ويجتهد ويبحث وينقب، سيصل حتمًا إلى تحقيق ما يريد، فتلك سنة الله في خلقه. ومن يغفل عن هذه   الحقيقة وركنوا إلى التواكل والتقليل من شأن العلم، دارتْ عليهم الدائرة وتراجعوا حضاريّا وتوقفوا فيستهلك كثيرا ولا ينتج إلا أقل القليل.   وظن الكثيرون خطأ أن العلم في الإسلام مقصورعلى العلم الديني فقط، وعلى الرغم من هذا الفهم الخاطئ فإن العلمَ الديني قد تجمد هوالآخر في عقول هؤلاء الواهمين على نحو أفقدهم الوعي، وشلّ قواهم الفكرية عن فهم ما يدور حولهم في هذا الوجود.

       وقد اتخذ المُسْتَشْرِقُ المعروف ((إرنست رينان)) من ذلك دليلًا على أن التمسك بلإسلام يعني الجُمود والتخلف والرجعية ومن بين  ما قاله في هذا الصدد : “إن ما يميز المسلم في الواقع بشكل جوهري هو كراهيته للعلم، والإقتناع بأن البحث فيه باطل، ولا جدوى منه، ومدعاة للكفر. ” إن الأمرعلى العكس من ذلك تمامًا، فالإسلام لم يكن في يوم من الأيام عدوًّا للعلم، وإنما كان سيظل عدوا لكل تخلف علمي. وقد بين لنا القرآن الكريم أن العلماء – بالمعنى الواسع للكلمة – هم أخشى الناس لِلّه أنهم الذين يستطيعون فهمَ سنن الله في الكون، وإدراك روعة الخلق وجلال الخالق، ومن هنا اعتبر النبي ﷺ مداد العلماء مساويًا لدماء الشهداء.

      إن الأمر الذي يؤسف له أن يخرج من بين صفوف المسلمين مَن يهاجم العلم والعلماء والبحث العلمي، مُعتقِدًا أنه يدافع عن الإسلام،  والواقع أنه يسيء إلى الإسلام أبلغ إساءة. وهذا شأن الأصدقاء الجُهَّال الذين يئذون الإسلام بجهلهم، والأذية من الصديق هي أشد أذية من  العدو. وهؤلاء الجهال كارِثة بالنسبة للإسلام، فهم لا يفهمون ولا يريدون أن يفهموا، ويعلنون أن ما يقولونه هو الإسلام، والإسلام بريء في واقع الأمر مما يقولون. إن المشكلة – إذن – ليست بين الإسلام والعلم، وإنما هي مشكلة فئة من الجامدين والجاهلين تريد أن تفسرالدين على هواها، وتريد أن ترغم الدين على الأخذ برؤاها المتخلفة وتصوراتها المتحجرة. إننا في حاجة إلى عقليات متحررة من الأوهام والخرافات  والدجل والشعوذات، ومتحررة من الجهل والتقليد، (فلا خلاص إلا في الإستقلال) كما يقول الإمام الغزالي .فنفهم مما في الأعلى، إن الجهاد  الحقيقي أمام المسلمين في عالم اليوم، الذي يعد فريضة غائبة في عالمنا الإسلامي: هو الجهاد في مجال العلم والتنافس في ميدان البحث العلمي، أما جهاد الحناجرالذي يملأ الدنيا ضجيجًا فإنه لن يفيد الإسلام والمسلمين في شيء.

       خاتمة القول، إن الأمر جد خطير وإن سنن الله في الكون وفي الإنسان تدعونا أن ننهض بعد طول رُقاد، ونستيقظ بعد طول سُبات، ونبدأ من الأول تماما لأن لن تتبدل أحوالنا إلا طبقًا لقانون التغيير الإلهي القائل وهو: (إنَّ ٱللَّهَ لَا یُغَیِّرُ مَا بِقَوۡمٍ حَتَّىٰ یُغَیِّرُوا۟ مَا بِأَنفُسِهِمۡ…) – [سورة الرعد :١١]. فتلك سنة الله التي وُعِدتْ لمن يفهم الآية وينفذ جهده في قيام الحضارة.

المصدر: كتاب الفكر الديني وقضايا العصر

                              وحدة البحث وتطبيق اللغة
لجنة الثقافة
اتحاد الطلبة الكلنتانيين بمصر ٢٠١٩ /٢٠٢٠

نيئ نورحميراء بنت نيئ يسري
كلية الدراسات الإسلامية والعربية للبنات
شعبة أصول الدين
جامعة الأزهر الشريف

Muat turun PDF Risalah Nadi Ukkaz 05 – السنن الإلهية و مفاتيح الحضارة

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *